يعمل الأطباء الثلاثة في المركز الطبي هيلل يافه، كل واحد في مجال مختلف: الطب الباطني، الطب النفسي، وطب المسالك البولية. هم يعاينون المرضى يوميا، لكنهم ينظرون إلى مهنتهم كرسالة وأسلوب حياة. اختاروا الثلاثة جميعا مسار واحد، وقرروا في يوم من الأيام ترك كل شيء وراءهم واتباع رغبة القلب أي شغفهم: تعلم الطب والتحول إلى أطباء في النظام الصحي في دولة إسرائيل. يعتبر يوم الطبيب، والذي يُصادف في بداية يناير كانون الثاني، فرصة ممتازة للتعرف على الجانب الإنساني للشخص وراء الطبيب أو الطبيبة.
يقول الدكتور عيدان أمشالوم، الطبيب النفسي ومدير نظام الصحة النفسية: "استبدال عالم البرمجيات إلى عالم الروح"
في جيل 26 عاما، كان الدكتور عيدان أمشالوم يحمل درجة علمية مرموقة في هندسة نظم المعلومات من معهد التخنيون، وكان يعيش في تل أبيب، ويعمل كمهندس برمجيات واعد في عالم المال والشركات الناشئة. كان يتمتع بكل الظروف المريحة التي توفرها صناعة الهايتك التكنولوجيا الفائقة، وبمسار مضمون نحو مهنة مربحة. ولكن وسط الأنظمة المعقدة لعالم الحواسيب، بدأ شيء ما في قلبه يعيد النظر في مساره.
|
.jpg) الدكتور عيدان أمشالوم
|
"خلال دراستي، تبلور لدي فهم بأن المجال التكنولوجي مثير للاهتمام، لكن الإجابة الحقيقية بالنسبة لي كانت اللقاء والتفاعل مع الأشخاص"، يوضح ذلك بابتسامة. "لأردت أن أسير وأكون سندا جنبا إلى جنب مع الأشخاص الذين يعانون من أزمة نفسية، وأن أكون جزءا من عملية تخرجهم منها. لم يكن هذا تغيير فوري. لم يكن أمشالوم "يحلم بأن يصبح طبيبا منذ الطفولة". لقد تخرج من الهندسة، عمل في هذا المجال، ثم قرر حينها فقط محاولة الالتحاق في كلية الطب – وهي مهمة ليست سهلة في حد ذاتها. في نهاية العام 2006، بدأ دراسته في جامعة تل أبيب، ومن أجل تمويل حلمه الجديد، استمر في العمل بوظيفة جزئية كمهندس برمجيات.
انضم إلى المركز الطبي هيلل يافه كطبيب نفسي متخصص في نظام الصحة النفسية في العام 2019. في السنة الماضية، تم تعيينه مديرا للنظام بأكمله، وهو اليوم يسخر خبرته في عالم الهايتك التكنولوجيا الفائقة ويدمجها في وحدة الاستشفاء ونظام الصحة النفسية.
عندما يتم سؤاله عن سبب اختياره مجال الطب النفسي، تألقت عيناه وقال "هذه المهنة الأكثر إثارة للاهتمام. القدرة على مراقبة الشخص من وجهات نظر مختلفة تماما – بيولوجية، نفسية، اجتماعية وعائلية. أن أكون شريكا في قصة شخص ما في لحظة أزمة حرجة هو أمر مُرضي بشكل كبير".
"خلال دراستي للطب، عملت في مختبرات أبحاث المعلوماتية الحيوية وتحليل البيانات الجينية" ويقول، "ولا يزال حُبي للتكنولوجيا والتفكير النظمي يرافقني. إن القدرة على فهم العمليات، التعلم الآلي، واليوم أيضا مجال الذكاء الاصطناعي ال -AI برمته – هي عوالم مألوفة بالنسبة لي. في عالم الإدارة الطبية، تمنحني هذه الخلفية "رؤية شاملة" وقدرة على تبسيط الإجراءات التي قد لا يراها الطبيب التقليدي دائما".
الدكتور أمشالوم هو من سكان حيفا، متزوج من طبيبة (التي تعرف عليها في المدرسة الثانوية) وأب لثلاثة أطفال وينجم اختياره العمل تحديدا في مستشفى عام عن رغبته في التواصل: "من المهم بالنسبة لي العمل جنبا إلى جنب مع متخصصين من مختلف التخصصات من أجل الحصول على صورة أدق عن حالة المريض، وفي نفس الوقت فهم كيفية تأثير المشاكل الجسدية على الحالة النفسية".
الدكتورة ليمور جولدنبيرغ، أخصائية الطب الباطني وعلم الأدوية السريري، وكبيرة الأطباء في قسم الباطني ب: "الانتقال من مجال الهندسة إلى قسم الطب الباطني هو بمثابة نداء أو رسالة"
قبل 15 سنة، كانت لا تزال تعمل في تصميم الرقائق الإلكترونية كمهندسة إلكترونيات، إلى أن قررت تغيير مسارها نحو دراسة الطب ومهنة الطب الباطني التي تتطلب الكثير من الجهد.
|
.jpg) الدكتورة ليمور جولدنبيرغ
|
في بداية سنوات ال -2000، كانت الدكتورة جولدينبيرغ جزءا من قطاع الهايتك التكنولوجيا الفائقة في إسرائيل. بصفتها مهندسة إلكترونيات شابة، حديثة التخرج من معهد التخنيون في حيفا، تمتعت بظروف مريحة يحلم بها الكثيرون. بعد عشر سنوات، تم إغلاق مشروع كانت تعمل عليه لفترة طويلة بقرار إداري، فشعرت بانهيار شيء ما بداخلها.
"لقد واجهت صعوبة في إيجاد معنى لكل العمل الذي بذلته" تتذكر قائلة. "شعرت أنني لست في المكان المناسب، ومع كل موجة تسريح للعمال في هذا المجال، كنت أنتظر بالفعل أن يتم فصلي. وعندما لم يحدث ذلك، قررت في أحد الأيام أنني لا أستطيع الانتظار أكثر من ذلك، فقمت بالاستقالة".
لم يكن قرار ترك العمل سهلا. فقد تم استبدال توقعات مستقبل مالي مستقر بشعور مخيف من عدم اليقين. وجاءت نقطة التحول من خلال محادثة عابرة عن أحد أفراد العائلة الذي كان على وشك البدء بدراسة الطب. "فجأة، اصبح الخيار واضح. جلست لإجراء اختبار القدرات النفسية البسيخومتري وبدأت بالتقديم إلى كليات الطب. التحقت بكلية الطب في معهد التخنيون وأنا أم لابنتين صغيرتين. كنت حالة استثنائية في بيئة الطلاب الشباب، لكن نضجي، خبرتي الحياتية وخلفيتي الهندسية ساعدتني خلال دراستي ولاحقا في مسيرتي المهنية".
انضمت الدكتورة جولدينبيرغ إلى المركز الطبي هيلل يافه كطالبة ومتدربة، وفي نهاية فترة تدريبها، تم قبولها في قسم الطب الباطني ب تحت إشراف الدكتور يعقوب يرحوبسكي، ثم لاحقا تحت إشراف الدكتور سيف أبو موخ، اللذين تصفهما بأنهما أطباء باطنية يتمتعان بصفات روحانية رائعة، ويسعد المرء بالتعلم منهما.
اليوم، تعتبر الدكتورة جولدينبيرع (48 عاما)، من سكان بنيامينا، متزوجة وأم لطفلين، قصة نجاح باهرة، وتعلق إدارة المستشفى أمال كبيرة عليها: فهي أخصائية في الطب الباطني، وأكملت تخصص فرعي في علم الأدوية السريري في مستشفى رامبام. وقد تولت لسنوات عديدة مسؤولية المتدربين في المركز الطبي، وتشغل منصب طبية أولى في قسم الطب الباطني ب في المستشفى.
"أنا لا أندم بأنني قمت بتغيير مهنتي "، هكذا اختتمت حديثها. "لقد علمتني سنوات عملي في مجال الهايتك التكنولوجيا الفائقة الكثير، وبفضل الدعم الكبير الذي تلقيته من - عائلتي ومجتمعي – حظيت بشرف اختيار مهنة جديدة مرة أخرى، مهنة جوهرها في نظري هو قدسية الحياة. كل مريض من مرضاي هو عالم قائم بذاته، ومن واجبي وحقي أن أكون جزءا من لحظات التعافي واللطف في حياتهم".
الدكتور محمد مجدوب، أخصائي طب المسالك البولية، طبيب أول في قسم المسالك البولية: " من قاعة المحكمة إلى غرفة العمليات الجراحية دون النظر إلى الخلف"
كان الدكتور محمد مجدوب (41 عاما) حاصلا على درجة علمية مرموقة من الجامعة العبرية، وبدأ مسيرته المهنية في إحدى كبرى مكاتب المحاماة في حيفا. لكن في أحد الأيام، وبينما كان يعد ملف أدلة، أدرك أن شغفه الحقيقي هو الطب. اليوم، يستخدم معرفته القانونية من أجل كتابة ملخصات طبية، وهو سعيد لأن والده وجد بديلا كفوا للمنصب الذي كان قد خصصه لابنه في مكتب المحاماة العائلي.
|
.jpg) الدكتور محمد مجدوب
|
في العام 2008، كان الدكتور مجدوب، وهو من سكان طمرة، محامي شاب وواعد، حيث تم قبوله فور تخرجه من كلية الحقوق بالجامعة العبرية في أورشليم القدس في مكتب محاماة كبير ومشهور في حيفا. كان والده، وهو محام أيضا، فخور بابنه الذي سار على خطاه. "لكن القلب، القلب لمن يكن مكتملا"، يقول. "دائما، عرفت إلى أين وجهتي، لم تكن دراسة القانون بمثابة تخلي عن الطب، بل كانت فرصة للنمو، النضج واكتساب المهارات. كانت هذه نصيحة والدي أيضا والتي اخترت العمل بها"، يقول بصراحة. "أحببت الدراسة، واستمتعت بالعيادات في محكمة أورشليم القدس. بعد ذلك، انتقلت إلى مكتب في حيفا. في أحد الأيام، بينما كنت أعمل على ملف أدلة في ساعات المساء المتأخرة، أدركت أن هذا ليس ما أبحث عنه. أدركت أنه إذا كنت سأعمل في وظيفة لا تلتزم بساعات محددة، فلا بد أن تكون في مجال الطب".
كانت المفارقة أن المجال الذي مارسه كمحام، وهو الإهمال الطبي، هو الذي أعاده إلى حلمه القديم. يقول "أعاد لي العمل في موضوع الإهمال الطبي شغفي. أدركت أن ممارسة المحاماة الآن أفضل من عدم ممارستها".
كان ذلك القرار مجرد بداية الطريق. في ذلك العام، كان التسجيل في إسرائيل قد أعلق، فقرر الدكتور مجدوب ألا يضيع أي يوم إضافي. فهو حزم أمتعته وسافر لدراسة الطب في رومانيا. في سنته الدراسية الثالثة، أدرك أن جراحة المسالك البولية هي التخصص الذي يرغب فيه. في العام 2014 عاد إلى إسرائيل، وأكمل فترة تدريب في مستشفى "أساف هاروفيه"، ثم التحق بالمركز الطبي هيلل يافه - حيث يعمل منذ عشر سنوات. بعد ذلك، أمضى عام واحد في البحث العلمي في فيينا، وأكمل تخصص فرعي في مستشفى بيلينسون في مجال طب الذكورة والمسالك البولية الوظيفية. واليوم، الدكتور مجدوب متزوج ولديه طفل واحد، وهو طبيب أول في قسم المسالك البولية في المركز الطبي "هيلل يافه".
"يضحك الجميع لأن ملخصاتي الطبية يمكن تشخيصها على الفور لأنني أكتب مثل المحامين"، هو يقول عن نفسه مبتسما. "لكن معرفتي في هذا المجال تجعلني حريصا للغاية على الالتزام بقواعد الأخلاقيات، الحفاظ على سجل طبي واضح، والحصول على الموافقة المستنيرة. في ملخصاتي، يكون واضحا دائما ما تم فعله بالضبط".
لا يندم الدكتور مجدوب على لحظة واحدة منذ التغيير الذي قام به. يسكن اليوم في طمرة، المكان الذي نشأ به، ووالده، الذي كان يتمنى رؤيته في المحكمة، هو اليوم أكبر داعميه. "والدي فخور بي جدا، وقد ساندني طوال الطريق. لقد أدرك أن سعادتي الحقيقية تنبع من مساعدة الآخرين. إجراء العمليات الجراحية أو مساعدة المرضى في العيادة – هذا ما يمنحني القوة للاستمرار. هذه السعادة موجودة أيضا في مجال القانون، لكنها في الطب مختلفة، وأكثر تأثير بالنسبة لي. تخرجت أختي من كلية الحقوق وانضمت إلى مكتبه، لذا لدينا جيل مثالي يخلفه، ونحن جميعا راضون"، هو يلخص.